الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

181

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وبعضهم يبغضه لبغضهم من قرابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم المنافقون من الناس ، ومن في قلبه زيغ من أمر النبوة . فأصفق الكل إصفاقا واحدا على صرف الأمر لغيره فقال رؤساؤهم : بانّا خفنا الفتنة ، وعلمنا انّ العرب لا تطيعه وتتركه ، وتأوّلوا عند أنفسهم وقالوا : لا ننكر النص انه لنصّ ولكن يرى الحاضر ما لا يرى الغائب ، وأعانهم على ذلك مسارعة الأنصار إلى ادّعائهم الأمر ، وإخراجهم سعد بن عبادة من بيته وهو مريض لينصبوه خليفة في ما زعموا ، واختلط الناس ، وكثر الخبط ، وكادت الفتنة أن تضطرم نارا فوثب رؤساء المهاجرين فبايعوا أبا بكر ، وكانت فلتة كما قال قائلهم ، وزعموا انهم أطفئوا نائرة الأنصار . فمن سكت من المسلمين وأغضى ولم يتعرض ، فقد كفاهم أمر نفسه ، ومن قال سرّا أو جهرا إنّ فلانا قد ذكره النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أو نصّ عليه أو أشار إليه ، أسكتوه في الجواب بأنّا بادرنا إلى عقد البيعة مخافة الفتنة ، واعتذروا عنده ببعض ما تقدم : إمّا أنه حديث السن أو تبغضه العرب لأنه وترها وسفك دماءها أو لأنهّ صاحب زهو وتيه ، أو كيف تجتمع النبوة والخلافة في مغرس واحد ، بل قالوا في العذر ما هو أقوى من هذا وأوكد ، قالوا : أبو بكر أقوى ، منه على هذا الأمر لا سيّما وعمر يقصده ويساعده ، والعرب تحبّ أبا بكر ، ويعجبها لينه ورفقه ، وهو شيخ مجرّب للأمور لا يحسده أحد ، ولا يحقد عليه أحد ، ولا يبغضه أحد ، وليس بذي شرف في النسب فيشمخ على الناس بشرفه ، ولا ذي قربى فيدلّ بقربه ، ودع ذا كله فإنه فضل مستغنى عنه . قالوا : لو نصبنا عليّا ارتدّ الناس عن الاسلام ، وعادت الجاهلية كما كانت ، فأيّما أصلح في الدين ، الوقوف مع النص المفضي إلى ارتداد الخلق ورجوعهم إلى الأصنام والجاهلية ، أم العمل بمقتضى الأصلح ، واستبقاء الاسلام ، واستدامة العمل بالدين وان كان فيه مخالفة النص .